عبد العزيز كعكي
42
معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ
من المدينة بعد نقضهم العهود والمواثيق التي أقاموها مع الرسول صلى اللّه عليه وسلم . ومما سبق يتضح لنا أن أول من أقام الآطام في المدينة هم العماليق ، ثم تبعهم القبائل المتفرقة وبقايا العماليق ، وأن الآطام كانت معروفة وموجودة قبل نزول اليهود إلى المدينة ، وقد عزا بعض الإخباريين إنشاء الآطام في يثرب إلى اليهود وأنهم هم أول من جلب فكرتها إلى يثرب من بلاد الشام ، مع أن الدلائل الأخرى وما جاءت به المصادر التاريخية الكبيرة تؤكد بدون أدنى شك بأن العمالقة العرب هم أول من جاء بفكرة الآطام والحصون ، ثم تلاهم في إقامتها القبائل العربية التي جاءت إلى يثرب من اليمن ، ومنهم من بقي من سلالة العماليق والذين قاموا بعمارة الآطام وزراعة النخيل ، وإقامة البساتين والمزارع . أما ما أشار إليه بعض المؤرخين من أن اليهود كانوا أهل تجربة وخبرة في مجال الزراعة وبالتالي فهم أصحاب الفضل في تحسين وتطوير الزراعة فيها ولا سيما النخيل فهذا مبالغ فيه ، فليس لليهود خبرات زراعية ، أو تجارب تفوق تجارب القبائل العربية التي كانت في يثرب . لأن يثرب منذ القدم مدينة الزراعة والنخيل وكانت الزراعة هي المهنة الرئيسية لسكانها لا يضاهيهم فيها أحد ، ولا خبرة تعلو خبراتهم . وفيما يلي سنناقش بعض أقوال المؤرخين الذين يعزون إنشاء الآطام في يثرب إلى اليهود ، لنحاول أن نثبت من خلالها أن الآطام ليست فكرة اليهود وليسوا هم أول من أدخل فكرتها إلى يثرب أو أقام بنيانها . إن العبارات التي تناقلها المؤرخون في هذا الموضوع والتي أشاروا من خلالها إلى أن فكرة بناء الآطام هي فكرة لليهود هي عبارات محدودة وهي كما يلي : - ( إن اليهود نقلوا من الشام إلى يثرب فكرة بناء الآطام حيث بلغ عددها في يثرب تسعة وخمسين أطما ، كما حملوا معهم خبراتهم الزراعية والصناعية التي كان لها أثر في ازدهار بساتين يثرب حيث النخيل والأعناب والرمان وبعض الحبوب ) « 1 » . - ( فكانت هذه القبائل من بني إسرائيل والأحياء الذين ذكروا معهم قد اتخذوا بالمدينة الآطام ) « 2 » .
--> ( 1 ) « المجتمع المدني في عصر النبوة » - د . العمري - ص 59 / المظاهر الحضرية للمدينة المنورة في عصر النبوة - د . السامرائي - ص 19 / وفاء الوفاء - السيد السمهودي - ج 1 ص 116 . ( 2 ) « انظر الأعلاف النفيسة » - ابن رستة - ص 22 .